يحلل الدكتور نجات تامزوك التداعيات الجيوسياسية لمحطتي الضبعة المصرية وأكويو التركية، معتبرًا أن المشروعين لا يمثلان مجرد استثمارات لإنتاج الكهرباء، بل يشكلان تحولًا استراتيجيًا قد يعيد رسم ملامح أمن الطاقة والتوازنات السياسية في شرق البحر المتوسط، في ظل الاعتماد طويل الأمد على التكنولوجيا والخبرة الروسية.
وأوضح تقرير نشره يوراسيا ريفيو أن شرق البحر المتوسط يظل أحد أكثر الأقاليم اضطرابًا على الساحة الدولية، حيث تتداخل نزاعات السيادة البحرية مع المنافسة على موارد الطاقة وتحولات موازين القوى، إلى جانب تأثير الصراعات الممتدة من الشرق الأوسط إلى البحر الأحمر. وفي خضم هذه التوترات، تبرز محطتا الضبعة في مصر وأكويو في تركيا بوصفهما مشروعين نوويين ضخمين قد يضيفان بعدًا جديدًا إلى معادلة الأمن والطاقة في المنطقة.
وتستخدم المحطتان مفاعلات VVER-1200 الروسية من الجيل الثالث، التي طورتها مؤسسة روساتوم، وتضم كل محطة أربع وحدات بإجمالي قدرة إنتاجية تبلغ 4800 ميجاوات، مع توقعات بأن توفر كل منهما نحو 10% من احتياجات الكهرباء في بلديهما بعد اكتمال التشغيل بين عامي 2028 و2030.
ويشير الكاتب إلى أن مصر وتركيا بدأتا التفكير في برامج الطاقة النووية منذ منتصف القرن الماضي، لكن العقبات المالية والتكنولوجية والسياسية أخرت تنفيذ هذه المشروعات لعقود، قبل أن توقع أنقرة اتفاقًا حكوميًا مع روسيا عام 2010، ثم لحقتها القاهرة في عام 2015.
وبدأت أعمال إنشاء محطة أكويو عام 2018، بينما انطلقت أعمال بناء محطة الضبعة عام 2022. ومن المنتظر دخول أول وحدة في أكويو الخدمة خلال العام الجاري، بينما تبدأ أولى وحدات الضبعة العمل في عام 2028، على أن تكتمل المحطتان بحلول عامي 2028 و2030 على التوالي.
اختلاف جذري في الملكية والتمويل
رغم التشابه التقني بين المشروعين، يلفت التقرير إلى اختلاف واضح في هيكل الملكية والتمويل.
وتتولى شركة روساتوم في مشروع الضبعة تنفيذ أعمال الهندسة والتوريد والإنشاء، بينما تعتمد مصر على قرض روسي يغطي 85% من تكلفة المشروع، مقابل مساهمة مصرية تبلغ 15%. وتبقى ملكية المحطة بالكامل للدولة المصرية، في حين تتولى هيئة المحطات النووية المصرية تشغيلها وإدارتها بدعم فني من روساتوم.
أما محطة أكويو فتعمل وفق نموذج البناء والتملك والتشغيل (BOO)، وهو نموذج يمنح روسيا ملكية المشروع وتشغيله، مع شرط يحافظ على حصة روسية لا تقل عن 51% حتى في حال بيع حصص مستقبلية، بينما لا تزال روساتوم تحتفظ حتى الآن بالملكية الكاملة للمحطة.
ويصف الكاتب هذا النموذج بأنه حالة فريدة في صناعة الطاقة النووية، إذ فضلت دول أخرى مثل بنجلاديش والمجر الاعتماد على نماذج تعاقدية تقليدية مشابهة لمشروع الضبعة، بينما اكتفت روسيا في مشروعات أخرى، مثل محطة تيانوان الصينية، بدور المورد التكنولوجي.
ويرى التقرير أن أكثر الجوانب إثارة للجدل في نموذج البناء والتملك والتشغيل يتمثل في تحويل الدولة المضيفة إلى مشترٍ للكهرباء من محطة تمتلكها دولة أجنبية داخل أراضيها.
تبعية استراتيجية تمتد لعقود
يشدد التقرير على أن مشروعات الطاقة النووية تمتد عبر دورة حياة قد تقترب من قرن كامل، بداية من التخطيط والإنشاء مرورًا بالتشغيل وانتهاءً بإيقاف المفاعل وتفكيكه، وهو ما يخلق ارتباطًا تقنيًا واقتصاديًا طويل الأمد مع الدولة الموردة للتكنولوجيا.
ويرى الكاتب أن مصر ستعتمد على روسيا في مجالات الوقود النووي والصيانة والدعم الفني لسنوات طويلة، بينما تتوسع تركيا في اعتمادها على موسكو، بعدما ارتبطت بها سابقًا في واردات الغاز الطبيعي والفحم.
ويضيف أن ملكية روسيا لمحطة أكويو تمنحها نفوذًا أكبر مقارنة بمشروع الضبعة، لأن البنية التحتية الحيوية للمحطة، بما في ذلك المفاعل وأنظمة إنتاج الكهرباء والتبريد والطاقة الاحتياطية والحماية الرقمية والأمنية، تخضع لإدارة الجهة المالكة.
كما يشير إلى أن هذا الوضع قد يفرض قيودًا على هامش المناورة السياسية لتركيا إذا شهدت علاقاتها مع موسكو توترات مستقبلية، رغم احتفاظ أنقرة بسيادتها القانونية على أراضيها.
محطات الطاقة النووية وأبعاد النفوذ الجيوسياسي
يرى التقرير أن النقاش الدائر حول الضبعة وأكويو لم يعد يقتصر على إنتاج الكهرباء، بل امتد إلى تأثيرهما المحتمل في التوازنات الجيوسياسية بشرق المتوسط.
ويشير الكاتب إلى أن المشروعين قد يمنحان روسيا موطئ قدم طويل الأجل في المنطقة، ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز حضورها في المياه الدافئة، خاصة عند النظر إلى موقع المحطتين إلى جانب الوجود العسكري الروسي في سوريا، بما يشمل قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية.
ويؤكد في الوقت نفسه أن المحطتين منشأتان مدنيتان تخضعان لاتفاقيات دولية ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا توجد أدلة على ارتباطهما بأغراض عسكرية.
إلا أن موقع محطة أكويو على الساحل التركي المطل على شرق المتوسط، وموقع الضبعة قرب قناة السويس والحدود الليبية، يمنحان الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بهما أهمية استراتيجية قد تمتد لعقود.
ويضيف أن محطات الطاقة النووية تحتاج إلى أعلى مستويات الحماية العسكرية والإلكترونية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الجهة التي ستحدد متطلبات الأمن وآليات تنفيذها، خاصة في حالة أكويو التي يمنح نموذج ملكيتها روسيا مساحة أوسع للمطالبة بنشر أنظمة دفاع جوي ورادارات وبنى تحتية للأمن السيبراني لحماية المنشأة.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن مصر وتركيا تنظران إلى الطاقة النووية باعتبارها وسيلة عملية لتنويع مصادر الكهرباء ومواجهة تقلبات أسواق الوقود وخفض الانبعاثات الكربونية، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها القانونية وسلطاتها التنظيمية على أراضيها.
لكنه يرى في المقابل أن الارتباط الاقتصادي والتكنولوجي طويل الأمد مع روسيا يمثل واقعًا تعاقديًا واضحًا، قد يتحول مستقبلًا إلى ورقة نفوذ جيوسياسي، وفقًا لمسار العلاقات بين موسكو وكل من القاهرة وأنقرة خلال العقود المقبلة.
https://www.eurasiareview.com/04082026-a-nuclear-countdown-in-the-eastern-mediterranean-the-geopolitics-of-akkuyu-and-el-dabaa-analysis/?__cf_chl_rt_tk=qSXgIeDCgtaNGTgL6hN5yqNtjoHWcujk6po6le2NDG8-1785827278-1.0.1.1-WcL491.bTe4ca0fzpZMUIKq2QXpLrQQEkTfGn773xIg

